اسد حيدر
24
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة
أن من أبرز معالم سيرته هو قتله دون بينة . حتى أن السلطان الذي غلب عليه الذين ساءهم انتصار السهروردي عليهم ندم ونقم على الذين أفتوا في دمه ، وقبض على جماعة منهم وأهانهم وأخذ منهم أموالا عظيمة « 1 » كذلك فإن الذين يرمونه بالزندقة من المؤرخين لا يملكون إنكار براعته في علم الكلام ، وكونه مناظرا محجاجا زاهدا من أذكياء بني آدم ورأسا في معرفة علوم الأوائل « 2 » . وذكر العماد الأصفهاني - المعاصر له - أن الفقهاء دعوا السهروردي للمناقشة في المسائل الفقهية ، وفي مسائل الأصول ، فظهر عليهم ، فحقدوا عليه ، وبيّتوا أمرهم إلى الثأر منه ، فدعوه إلى مناقشة علنية أخرى في مسجد حلب ، وسألوه : هل يقدر اللّه على أن يخلق نبيا آخر بعد محمد ؟ فأجابهم الشيخ : بأن لا حدّ لقدرته . ففهموا من إجابته أنه يجيز خلق نبي بعد محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وهو خاتم النبيين ، ومن ثمة أعلنوا مروقه من الدين ، وكتبوا محضرا بكفره ، سيروه إلى السلطان ، فأمر بإعدامه وإحراق كتبه « 3 » . واستمر أعداء حرية الفكر ودعاة الخضوع لسلطان الجهل والتقليد الأعمى بالحرب لعلماء الأمر ، فثارت الأحقاد ، وظهرت العداوات والانتقام . فهذا الفيلسوف ابن رشد - وكان مالكي المذهب ومن فقهائهم - تولى القضاء بإشبيلية مدة تزيد على عشر سنوات ، وقد قربه الملك أبو يوسف الملقب بالمنصور ، مما أثار حسد الفقهاء والمتزمتين ، فرموه بالكفر والزندقة ، وتمكنوا من تغيير الخليفة ، فنقم عليه واستجوبه فقهاء قرطبة ، وقرروا أن تعاليمه كفر ، ولعنوا من يقرأها ، وحكموا عليه بالكفر والنفي من بلده . وأمر الخليفة بحرق كتبه وكتب الفلسفة في جميع البلاد ، ولعن ابن رشد ، ونفي إلى جزيرة في قرطبة . وإنما لم يحكم على ابن رشد بالقتل أسوة بغيره ممن اتهم بسوء الاعتقاد لأن الذي يرأس المحكمة ويصدر الأحكام كان من علماء المالكية ، فكانت المحكمة التي تعقد لمحاكمة المتهمين بالبدعة أو الضلالة أو الزندقة إنما يسند أمرها إلى القضاة المالكية لأنهم يخالفون سائر المذاهب في هذه التهم التي تلصق بمن تحاول الدولة قتله باسم الدين .
--> ( 1 ) المصدر نفسه ص 644 . ( 2 ) شذرات الذهب ج 2 ص 290 . ( 3 ) انظر مقدمة كتاب هياكل النور .